الشيخ محمد رشيد رضا

191

الوحي المحمدي

أبو ذر : يا ابن السوداء ، فشكاه بلال إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لأبى ذر : « أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية » . رواه البخاري في مواضع ، ومسلم بدون ذكر اسم بلال ، ولفظ البخاري في كتاب الأدب عن أبي ذر : كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لي : « أساببت فلانا ؟ » . قلت : نعم . قال : « أفنلت من أمه ؟ » . قلت : نعم . قال : « إنك امرؤ فيك جاهلية » . قلت : على ساعتي هذه من كبر السن ؟ قال : « نعم هم إخوانكم » . إلخ الحديث . . وسيأتي في الوصية بالرقيق ، وروى أن أبا ذر تاب توبة نصوحا حتى أمر بلالا أن يطأ على وجهه . وأما الثاني فيجمعه مع الأول ما رواه الحافظ بن عساكر بسنده إلى مالك عن الزهيرى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال : هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا ؟ ( يعنى - هذا المنافق - بالرجل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأن الأوس والخزرج من قومه العرب ينصرونه لأنهم من قومه ، فما بال الذي يدعو الفارسي والرومي إلى نصره ؟ ) ، فقام إليه معاذ بن جبل رضى اللّه عنه فأخذ بتلبيبته « 1 » ؛ ثم أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأخبره بمقالته ، فقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد ثم نودي : إن الصلاة جامعة « 2 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أيها النّاس إنّ الربّ واحد ، والأبّ واحد ، وإنّ الدين واحد ، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنّما هي اللّسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربىّ » . فقام معاذ فقال : فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول اللّه ؟ قال : « دعه إلى النّار » ، فكان قيس ممن ارتد في الردة فقتل . أرأيت لو ظل المسلمون على هذه التربية المحمدية أكان وقع بينهم من الشقاق والحروب باختلاف الجنس واللغة كل ما وقع وأدى بهم إلى هذا الضعف العام ؟ أرأيت لو حافظوا على هذه الأخوة الإسلامية أكانت حدثت فيهم تلك الشعوبية المجوسية الأولى ، وهذه العصبية التركية الأخرى ؟ كلا إنهم لو حافظوا عليهما لعمموا أخواتها ، ولأصلحوا بها شعوب الأرض كلّها . يعترض بعض أولى النظر القصير ، والبصر الكليل على توحيد اللغة في الشعوب المختلفة بأنه خلاف طبيعة البشر ، ويرد عليهم بأنّ توحيد الدين أبعد من توحيد اللّه عن

--> ( 1 ) اللبب بفتحتين موضع النحر ، وتلبيه ما على لببه ونحره من الثياب أي قبض عليه وجذبه بها . ( 2 ) هذه الجملة يدعى بها إلى صلاة العيدين وكل اجتماع عام في المسجد بلفظ « الصلاة جامعة » ولفظ الصلاة فيها منصوب بتقدير احضروا الصلاة ، أو الزموها .